حياتنا بالأخضر

ثروة غير مستغلة في القيروان: غياب الرقابة يحول المرجين الى كارثة بيئية

مقارنة بين صورتين تبين حجم
المرجين على النباتات

اللجنة الجهوية تقر عودة مصب مخالف رغم رفض البلدية

اعادة استعمال مصب بلدي للنفايات بعد غلق ليكون مصبا للمرجين

تجارب بلدية لتثمين نفايات المرجين والحد من استهلاك الماء بالمعاصر

تحقيق ناجح الزغدودي

ما تزال سوائل المرجين أبرز مخلفات تحويل الزيتون الى زيت، وكمياتها الكبيرة معضلة بيئية يساء تصريفها وتخزينها والتعامل معها بشكل غير علمي. وفي المقابل فان مراقبة تصريفها مثلت جدلية راوحت بين الظهور  والتخفي، مما دفع المواطنين الى الاحتجاج على الوضع البيئي الخطير الذي خلفته مصبات المرجين فضلا عن وقوع تضارب في القرارات بين الجهات الرسمية المسؤولة عن الرقابة.

عندما اعترض الشاب الثلاثيني عصام الفالح (عامل فلاحة) رفقة عدد من أهالي الشوايحية بمعتمدية الشراردة (القيروان) على سكب المرجين بجوار قريتهم، سنة 2018 داخل أحد المصبات الجماعية بالمنطقة، رفضا لاضراره البيئية والصحية ، وجد المعترضون أنفسهم امام المحكمة بتهمة تعطيل عمل المستثمر بداية من 01 جانفي 2018. وفق استدعاء البحث العدلي. (صور)

أمام مساندة المجتمع المدني لاحتجاج الاهالي، تدخلت السلط الجهوية والبلديات، وقامت حينها بزيارات معاينة ودعت الى تشديد الرقابة بعد التأكد من حجم الكارثة البيئية. وفي حين رفض المجلس البلدي المصب الخاص وقرر احداث مصب بلدي مراقب، رخصت اللجنة الجهوية على الترخيص للمصب رغم رفض البلدية ما وضع المواطنين أمام قرارين متضاربين..

في هذا التحقيق اثارة لقضية سكب سائل المرجين ذي اللون الأسود والرائحة الكريهة، بآلاف الأطنان في الضيعات وعلى قارعة الطريق، في ظل غياب الرقابة احيانا وتضارب القرارات الذي قد يكون وراء تضارب المصالح، والتسامح مع الاخلالات، ما أدى تزايد انتشار مصبات سوداء وتسمى “القرنة” والتي أصبحت مصدر خطر بيئي على المياه الجوفية والتربة والهواء ومصدر خطر صحي على المواطنين

والقضية المركزية هي ان المصبات النظامية لا تكفي لاستيعاب المرجين طيلة الموسم، فتح الباب أمام المصبات العشوائية الخاصة وتضارب القرارات الرسمية. ولم يعد القوانين هي المعيار الوحيد في المراقبة وعجزت عن حماية الحجر والبشر. وفي الاثناء ما يزال مشروع وزارة البيئة لتثمين نفايات المرجين غير مفعل على ارض الواقع ولا معمم.

بلغت قيمة صادرات زيت الزيتون سنة2022 ( وفق معطيات نشرها مؤخرا المرصد الوطني للفلاحة ) 6ر620 مليون دينار في نهاية شهر جانفي 2022 فقد ارتفع الانتاج  ب100 الف طن مقارنة بالسنة الماضية ليبلغ 240 الف طن هذا العام.  غير أن هذه الثروة الفلاحية تطرح اشكالية التنمية في بعدها الشامل والمستديم ودور الدولة في ضمانها للاجيال القادمة.

من العوامل التي تجعل المرجين قضية بيئية في القيروان هي من ناحية عدد المعاصر المقدرة ب 145 معصرة زيت بطاقة تحويلية تقدرة ب5200 طن يوميا (وفق تقرير رقابي للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية نقلا عن جهات رسمية)، طيلة الموسم الذي يمتد من أكتوبر الى شهر مارس. ومع هذه الكمية الهائلة يتم توريد كميات أخرى من المرجين من جهات مجاورة وفق معطيات رسمية لدى بلديتي بوحجلة والشوايحية.

الزيتون، مصدر ثروة اقتصادية واجتماعي

القانون والتصرف في المرجين

توجد بولاية القيروان 25 مصبا منها 16 مصبا خارج الخدمة. والمصبات المتبقية مثلت اشكالا بيئيا. وتراوحت الاخلالات المسجلة بين مصبات مرخص لها ومستغلة لكن لا تستجيب للشروط المطلوبة ومصبات اخرى عشوائية وتححدى المراقبة.

هذه المخالفات تتعارض مع الأطر القانونية وتحديدا مع الأمر عدد 56 لسنة 1985 المؤرخ في 2 جانفي 1985 (الصادر عن وزارة الصحة) الذي ييحجر تصريف المياه في المحيط، منها تحجر تصريف الدهون والزيوت النباتية، كما حجر إتلافها في مجاري الأودية والبرك المائية. كما يتعارض مع القانون عدد 41 المؤرخ في 10 جوان 1996 المتعلق بمراقبة النفايات وطرق التصرف فيها وإزالتها، الذي ينص على عدم التسبب في أي خطر على صحة الإنسان

سكب المرجين عشوائيا امام انظار البلدية ووكالة حماية المحيط

لبناء مصب للمرجين يتوجب على اصحاب المعاصر الحصول على موافقة اللجنة الفنية الجهوية لمصبات المرجين الموجودة صلب الولاية وفق كراس شروط يسلم مسبقا وفق المعايير القانونية:

الفصل 4:

– كل شخص ينتج عن نشاطه أو يمسك بحوزته نفايات في ظروف من شأنها أن تخلف آثارا سلبية على أديم الأرض أو على النبات أو على الحيوان أو أن تتسبب في تدهور المواقع أو المشاهد أو أن تلوث الهواء أو الماء أو تفرز ضجيجا أو روائح وبصفة عامة أن تهدد الصحة العامة أو البيئة

الفصل 5:

– في حالة ترك نفايات أو إيداعها او التخلص منها في الوسط الطبيعي بدون إحترام المواصفات الجاري بها العمل وفي حالة معالجتها بصفة مخالفة لأحكام هذا القانون أو النصوص المتخذة لتطبيقه تتولى السلط المختصة التنبيه على المخالف للقيام في أجل تعيّنه له بالأعمال اللازمة لإزالة تلك النفايات.

المرجين وأضراره

.مادة المرجين، هي نفايات سائلة تستخلص من عصر الزيتون عند غسله بالماء. ووفق تقرير نشره المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ، يحتوي المرجين على مادة “البوليفينول (رابط التعريف)” السامة وهي مادة ملوثة نظرا لحموضتها المرتفعة مّما يرفع  الطلب البيولوجي والكيميائي من الاوكسجين. وان كانت سوائل مائية فان الطبقة الزيتية التي تتشكل بالاعلى تمنع التبخر وتتفاعل مع حرارة الشمس لتحدث تفاعلات كيميائية خطيرة. وتؤدي الأبخرة الى تآكل العين و الجلد و تؤثر بشكل سيئ على جهاز التنفس . كما يشكل ترسب هذه الفواضل على سطح الأرض خطرا على التربة والماء والنباتات

أحد المواطنين ببوحجلة يتحدث عن معاناة الاهالي من مصب للمرجين
تحرق جلود الاطفال: مصب المرجين في الشراردة يتسبب في انتشار مرض اللاشمانيا

لا تزال مصبّات “المرجين” تؤرق المواطنين في مناطق عدة، ولكونها أصبحت بؤرا للتلوث ومصدرا لانتشار الاوبئة والامراض الجلدية وضيق التنفس وانتشار مرض اللاشمانيا الجلدي الذي يساهم التلوث في انتشار الحشرات والفئرات والتي ترتع فيه وتصبح ناقلة لمسببات الحساسية الجلدية وفق ما يؤكده عصام الفالح وعدد من الاهالي في هذا التقرير المصور.

ورغم تقديم شكاوى عدة إلى الجهات الرسمية، كان التدخل القانوني ضعيفا واحيانا ضد المعترضين، ما حرض المخالفين على المضي قدما في هذه الجرائم البيئية وتواصل سكب المرجين عشوائيا.

وفق خارطة للاقمار الصناعية، تطرح اشكالية فواضل المرجين ومصباته بشكل بارز جنوب ولاية القيروان بين معتمديتي بوحجلة والشراردة ضمن مجال4 بلديات وعانت المنطقة من عديد المشاكل النتأتية من سكب المرجين من حوادث مرور (حادث واحد تسبب في وفاة 3 اشخاص بتاريخ 27 نوفمبر 2021

مصبات مرخص لها…لكنها عشوائية!

قضية المرجين ليست وليدة هذا الموسم خاصة في معتمدية بوحجلة. للحدمن هذهالمعضلة انطلقت بعض الحلول منذ سنة 2019، وقبل موسم جني الزيتون وقع  الاتفاق بين جميع الاطراف  على إعادة تهيئة مصب اللّبية ببوحجلة بقيمة 600 الف دينار ليكون مصبا للمرجين وأن تشرف عليه البلدية بشرط القيام  بدراسة التأثير على المحيط وعرضها على الوكالة الوطنية لحماية المحيط.

اهم النقاط السوداء للمرجين جنوب ولاية القيروان

مصب المرجين بمنطقة اللبية هو في الأصل كان مصبا للنفايات المنزلية (الصلبة) ووقع غلقع بقرار بلدي بعد احتجاج الاهالي. لكن تقرر بالتنسيق بين السلك الجهوية والبلدية اعادة تهيئته.

المشروع تكفل به المجلس البلدي بالتنسيق مع الوكالة او بالتعاون مع أصحاب المعاصر الذين تكفلوا بجميع مصاريف المشروع كما قبلوا بدفع عشرة دنانير مقابل دخول الشاحنة الواحدة للمصب . 

وفي شهر ديسمبر 2019 و بعد استيفاء المصب للشروط والحصول على الاذن من قبل الوكالة الوطنية لحماية المحيط بدأ استغلال مصب  اللبية  المتكون من 5 أحواض بطاقة استيعاب اجمالية تقدر ب60 ألف متر مكعب ،كما تعهدت البلدية بمعية كل الأطراف المتدخلة على القيام بكل أعمال الصيانة والمداواة والمراقبة لإنجاح موسم جني الزيتون دون كوارث بيئية أو حوادث مرورية

كما تقرر منع أصحاب المعاصر من إخراج المرجين في الليل وإلزامها بتقديم معطيات على كمية المرجين التي تم إخراجها ومعطيات على ناقلها وذلك لتسهيل المراقبة ولتجنب السكب العشوائي للمادة وهو من صميم واجبات المراقبة 

في موسم 2021 امتلأ الحوض بالمرجين في ظرف 20 يوما بشكل فاجأ التوقعات وبلغت كمية المرجين التي سكبت 80 ألف متر مكعب اي ضعف الكمية المتوقعة. وفي موسم 2022 عجز المصب وفق التقديرات الرسمية عن استيعاب 50 او 60 بالمائة على اقصى تقدير من كمية المرجين التي تفرزها معاصر الجهة وهذا الاستغلال المكثف والمفرط نتج عنه بعض الاخلالات والتكسيرات. ولم يتم التدخل لمنع الاخلالات.

أما المشكل الثاني فهو انتهاء صلوحية مصب اللبية البلدي سنة 2021 التي كانت لمدة 3 سنوات لكن اللجنة الجهوية صلب ولاية القيروان اقرت خلال موسم جني الزيتون المنقضي (2021-2022) التمديد في صلاحية استغلال المصب في ظل اولا الحاجة الى هذا المصب وثانيا ضغط الوقت الذي لم يسمح بتهيئة مصب مراقب خاصة من البلدية .

وهذا التمديد في الاستغلال هو في حد ذاته يعتبر تجاوزا لكراس الشروط وهذه المرة من الجهات الرسمية التي تحمل عليها المراقبة وتطبيق القانون وليس من القطاع الخاص الساعي الى الثراء على حساب البيئة.

غير بعيد عن معتمدية بوحجلةوتحديدا بمعتمدية الشراردة، فان مصب المرجين بالشوايحية الذي تم إحداثه منذ سنة 2011 و يبعد حوالى 3كيلومترات عن مقر بلدية الشرايطية القصور، ظل مصبا عوائيا الى أ وتحصل على الموافقة على التوسعة بتاريخ 13 ديسمبر 2016 من الوكالة الوطنية لحماية المحيط بعد الزيارة الميدانية بتاريخ 07 ديسمبر 2016. 

لكن عملية التوسعة صاحبتها عمليات سكب كميات كبيرة من المرجين واصبحت هناك احواض كبيرة تحولت الى مصدر احتجاج من قبل الاهالي وبينهم الشاب عصام الفالح. وهذا التحرك الذي جوبه بالحلول الامنية والقضائية في البداية استرعى انتباه المنظمات الحقوقية وتحول الى قضية رأي عام. وبعد المعاينة من قبل اللجنة الجهوية المسؤولة عن اسناد التراخيص، تقرر غلق مصب الشوايحية لمدة سنتين تحت ضغط الاهالي بدعم من منظمات حقوقية منهم فرع المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

لم يمر العامان حتى أعيد فتح المصب ثانية بعد الزيارة التي قامت بها الوكالة الوطنية لحماية المحيط يوم 6 فيفري 2019 حيث اعتبرت أن الاشغال المنجزة مقبولة وتستجيب في مجملها للشروط المنصوص عليها بدراسة المؤثرات على المحيط، واشترطت الوكالة  في المقابل استعمال مادة “أي سي أ 2″، لتسريع عملية التبخر وتقليص الروائح الناجمة عن استغلال المصب رغم رفض الاهالي وعودتهم الى الاحتجاج على “قرنة المرجين”.

كما أن قرار اعادة فتح مصب الشوايحية جاء بعد شهر من رفض المجلس البلدي بالشوايحية القصور (معتمدية الشراردة) هذا الصب (الخاص) تفاعلا مع احتجاج الاهالي، وأصدر قرارا بلديا في 4 جانفي 2019 ينص على ” مصادقة المجلس البلدي على إقرار مصب بلدي لمادة المرجين خاص بالبلدية لفائدة المعاصر التي هي داخل التراب البلدي لبلدية الشريطية القصور فقط لا غير ورفض المصب العشوائي الذي هو على ملك خاص الكائن بمنطقة شط الشوايحية” وهو ما يطرح العديد من التساؤلات حول مدى فاعلية ووزن هذا القرار الذي قوبل بعدم الموافقة من قبل الوكالة الوطنية لحماية المحيط والسلط الجهوية مما ادى الى تضارب الاراء والقرارات بشأن مصب المرجين وكانت حجة اللجنة الجهوية ان غلق المصب الخاص سيؤدي الى انتشار مصبات عشوائية لا يمكن السيطرة عليها

مراقبة دورية للمصب البلدي

في حين كان تفاعل الاهالي مع بلدية الشوايحية ايجابيا في طريقة تعاملها مع المصب البلدي المراقبة خصوصا عملية الصيانة الدورية والمداواة التي تهدف الى تحييد المرجين وتجفيفه الى جانب مبادرة اولية بتثمين فواضل المرجين

قامت وزارة البيئة بإنجاز دراسة حول إعداد مخطط وطني للتصرف في مادة المرجين وقد احتوت الدراسة على: تشخيص الوضعية الحالية لمعاصر الزيتون والتصرف في النفايات السائلة والصلبة المنجرة عن هذا القطاع. تقييم الجوانب الفنية والمؤسساتية والترتيبية الحالية المتعلقة بالتصرف في مادة المرجين. دراسة الامكانيات المتاحة لتثمين مادة المرجين ومساهمة القطاع الخاص في التصرف في هذه المادة. دراسة تحديد مواقع لمصبات جديدة للمرجين واستصالح المصبات القديمة. اقتراح منظومة متكاملة للتصرف في المصبات المراقبة لمادة المرجين. تطوير الخيارات اإلستراتيجية المناسبة واقتراح اإلجراءات والوسائل الفنية والمؤسساتية والترتيبية وذلك بشراكة مع البلديات منها بلدية الشوايحية.

وفي إطار متابعة مصب المرجين بمنطقة الشوايحية وتنفيذ ما تم الاتفاق بشأنه في جلسات سابقة حول معالجة الروائح الكريهة المنبعثة منه وحماية المتساكنين تم تخصيص 40 الف دينار لاقتناء مواد كيميائية لمعالجة مادة المرجين والقضاء على الروائح المنبعثة منه. كما تم بالشراكة مع اصحاب المعاصر ودور البلدية في معاينة سير عملها في التحويل والتصرف في المرجين، التعرف الى تقنية جديدة لتركيب آلات بالمعاصر للقضاء على مادة المرجين باستثناء نسب بسيطة جدا واستغلال المياه وإعادة تدويرها مما سيساعد على ربح الوقت والمال والمحافظة على البيئة السليمة في مصبات المرجين . وقد التزمت بعض المعاصر بتجديد التقنيات وما تزال في نطاق التجربة على امل تعميمها بين البلديات لتقليص كميات المرجين الصادرة عن المعاصر وبالتالي حسن التصرف في هذه الفواضل التي كماسبق التاكيد انه يمكن ان تكون بدورها جزءا من الثروة الطبيعية التي تمنحها شجرة الزيتون مع الذهب الاصفر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.