انثروبولوجيات

“ما أفتقده هو وجود العائلة”…بحثُ الجاليات المسلمة عن أجواء رمضانية في أوروبا

يتسم شهر رمضان بطابعه الخاص لدى جميع الشعوب المسلمة في كل أنحاء العالم،  ليس لكونه موسماً دينياً لممارسة التعبّد وحسب، بل بسبب الطقوس الروحية والاجتماعية والممارسات الثقافية التي ترتبط فيه، والتي تتماهى مع الطقوس الروحانية الإسلامية، لترسم إيقاعاً خاصاً للحياة يختلف عن باقي أيام السنة، ويختلف أيضاً من بلد إلى آخر تبعاً للثقافة والعادات السائدة. فعلى سبيل المثال، ترتبط بشهر رمضان مجموعة من الأطباق والمشروبات، التي تختلف من بلد إلى آخر. ففي السعودية يرتبط العديد من الأطباق بشهر رمضان مثل “الهريس” و”القلابة” و”كبسة الزربيان”، وفي سوريا ترتبط برمضان بعض المأكولات مثل “البرك” و”الناعم” و”حراق أصبعه”، وفي المغرب هناك “الشباكية” و”البسطيلة” و”السلو”، وفي جميع هذه البلاد يرتبط التمر بشهر رمضان، لأنه الطبق الأساسي الذي كان يفطر عليه النبي محمد. وهذا يبيّن أن مائدة الإفطار الرمضانية في كل بلد تجمع التقاليد الإسلامية والثقافات المحلية. 

أما في ما يتعلق بالجاليات الإسلامية والعربية التي تعيش في أوروبا، فإن شهر رمضان لا يفقد خصوصيته لديها، رغم أن أجواءه تختلف في أوروبا ويتضاءل أثرها على إيقاع الحياة عموماً، لأنه لا يملك نفس الخصوصية في الدول غير المسلمة، ولا يؤثر على الروتين اليومي للناس فيها. فلا يتغير دوام الموظفين تبعاً لمواعيد الأذان، ولا تزدحم الشوارع في الساعات الأخيرة قبل موعد الإفطار. لكن الجاليات العربية والمسلمة تعيش إيقاع حياة مختلفاً وتمارس طقوسها على نحو لا يتعارض مع إيقاع الحياة العام والاعتيادي.

ما الذي تفتقده الجاليات العربية المسلمة في أوروبا خلال شهر رمضان؟

متى يبدأ عرب أوروبا بالتحضير لرمضان؟ يجيب أحمد كامل، وهو سوري مقيم في مدينة هانوفر الألمانية: “التحضير لشهر رمضان يبدأ عندما نحصل على آخر راتب قبل الشهر الفضيل، فنذهب إلى المحلات العربية أو التركية لشراء المنتجات التي تلزمنا لإعداد المائدة الرمضانية، والتي يتوفر معظمها في هذه المحلات على مدار العام. بعد ذلك نبدأ بإعداد المؤونة الرمضانية وصناعة الأطباق المثلجة كالبرك والكبة، التي سنستهلكها على مدار الشهر”.

وترى درصاف، تونسية مقيمة في باريس، أن التحضيرات لشهر رمضان تبدأ قبل ذلك بكثير. تقول: “نبدأ بالتحضير لرمضان قبل أشهر، حين نبدأ بتأجيل إجازاتنا حتى نستمتع فيها بشهر رمضان، فأنا والعديد من رفاقي نفضّل أخذ إجازة طويلة في رمضان، لأنه من الصعب تحمّل عبء العمل أثناء الصيام في الأيام الباريسية الطويلة”. 

التحضير لرمضان يختلف من مدينة أوروبية إلى أخرى، فالمدن الكبرى التي تكثر فيها الجاليات العربية مثل باريس وبرلين وبروكسل تتوافر بها المنتجات العربية بسهولة، بينما يضطر سكان المدن الصغرى للسفر إلى المدن الكبرى المحيطة بهم للتبضع قبيل شهر رمضان. يقول سمير، وهو سوري يعيش في قرية إيغوفيل الفرنسية: “أعيش في قرية صغيرة في شمال فرنسا، لا توجد فيها محلات عربية أو تركية، لذلك أسافر قبل شهر رمضان إلى مدينة روان المجاورة لشراء المؤونة، علماً أنني لا أقوم برحلات مشابهة في باقي أيام السنة، بل أكتفي بطلب بعض المنتجات عبر الإنترنت، ما عدا الأجبان والألبان والمنتجات الباردة”.

كيف يقضي عرب أوروبا يومهم في رمضان؟

يقول نورس يكن، صحافي سوري مقيم في باريس: “فرنسا ليست بلداً مسلماً، ووروتينها لا يختلف في رمضان وهو الذي يفرض نفسه على المسلمين، وليس العكس. إلا أن الأمر الذي يساعد ربما على المحافظة على خصوصية طقوس شهر رمضان التي نعيشها داخل البيوت، أن النهار طويل جداً، لذلك نكون قد أنهينا تلقائياً أعمالنا وعدنا إلى البيت قبل موعد أذان المغرب، ويكون لدينا وقت كافٍ لتحضير الإفطار أيضاً”. 

الحياة في بلاد لا يسيطر الإسلام على ثقافتها العامة هو أمر يجعل من ممارسة الطقوس الرمضانية يقتصر على ما يدور داخل المنازل ويعوض فيها التلفزيون عن الفضاءات العامة في الدول العربية. بحسب أحمد كامل، فإن روتين الحياة اليومية في رمضان يختلف وفقاً للحالة الاجتماعية. يقول: “تلتزم معظم العائلات منازلها على مائدة رمضان، ويقضي معظمهم أغلبية الوقت في متابعة مسلسلات وبرامج رمضان أو حتى صلاة التراويح على التلفاز، محاولين مواكبة الأجواء التي يعيشها أقرباؤهم في بلادهم الأصلية، وقد يتواصلون معهم أثناء الاجتماع حول مائدة الإفطار من خلال محادثة فيديو على الواتسأب. كل عائلة تقضي معظم أيام شهر رمضان منعزلة ببيتها، فنادراً ما تجتمع أكثر من عائلة على نفس المائدة لعدّة أسباب، أهمها: ضيق المنازل وخاصّةً في فصل الشتاء”. 

تلتزم معظم العائلات منازلها حول مائدة الإفطار، ويقضي أغلبهم وقته في متابعة مسلسلات رمضان أو صلاة التراويح على التلفاز، محاولين مواكبة الأجواء التي يعيشها أقرباؤهم في بلادهم الأصلية

ويضيف كامل: “الوضع مختلف بالنسبة للشباب العازبين، الذين تكثر لقاءاتهم في شهر رمضان. تجتمع كل مجموعة عند الشخص الذي يملك البيت الأكبر بينهم، ليتشاركوا في تحضير الطّعام وتناوله وتبادل الأحاديث، التي تختلف في رمضان عن بقية أيام السنة، إذ يكثر الحديث عن المواقف المحرجة التي يتعرض لها الصّائم وردود فعل الوسط المحيط به. كما أن غالبية الجلسات يناقش فيها الشباب البرامج والمسلسلات الرمضانية، وأحياناً يخرجون إلى الجوامع التركية، التي تبسط الموائد الرحمانية عند أذان المغرب، وتقيم بعض الأنشطة في أيام الجمعة”.

في المقابل، هنالك عدد كبير من الشباب العازبين الذين يقضون معظم أيام شهر رمضان بمفردهم، فيضطرون إلى استحضار طقوسه قدر المستطاع. يقول محمد الحمصي، سوري مقيم في ستراسبورغ الفرنسية: “طقوسي في رمضان تعتمد على العبادات أكثر من بقية أيام السنة، ربما أجدها فرصة لا تتكرر لأعيش الروحانية. بعد التعبد أقوم بتشغيل التلفاز والاستماع للفرق التي تنشد الأناشيد الرمضانية وترتل أبيات الشعر مديحاً برمضان وحلوله. وأحياناً أتابع برامج المسابقات والمسلسلات أثناء تحضير وجبات السحور أو الفطور”.

تكثر لقاءات الشبان العازبين في رمضان. فيجتمعون لتحضير الطّعام وتناوله، ويتبادلون الحديث عن المواقف المحرجة التي يتعرض لها الصّائم وردود فعل الوسط المحيط به. وأحياناً يخرجون إلى الجوامع التركية

الأجواء الرمضانية التي كان يعيشها المسلمون في كل بلد يصعب استنساخها في أماكن إقامتهم الجديدة، واستحضارها عبر التلفزيون لا يصل إلى درجة الإشباع، فهناك العديد من الأمور التي يفقتدها عرب أوروبا في رمضان. يقول نورس يكن: “في باريس لا تفتقد شيئاً إطلاقاً على مستوى المنتجات، في رمضان وحتى في باقي أيام السنة، لا يوجد شيء لا تستطيع الحصول عليه. فجميع البضائع متوفرة لدى المحلات العربية، بما فيها المشروبات الرمضانية كالعرق سوس. ومن النادر أن تتذكر شيئاً لا تستطيع العثور عليه باستثناء (المعروك) السوري. لكن ما تفقده فعلياً هو الحالة الطقسية، بما في ذلك زحمة السير قبل الإفطار”. 

الطقوس الاجتماعية والمظاهر العامة التي تكسو البلاد العربية والإسلامية في رمضان هي القاسم المشترك الذي تفتقده الغالبية، مهما اختلفت طبيعة هذه الطقوس. تقول درصاف: “أكثر ما أفتقده ربما هو صوت أذان بوبرنوس القريب من بيتي في تونس”. ويقول أحمد كامل: “ما نفتقده هنا يتعلق بالجو العام والزينة الرمضانية، وربما الحالة التشاركية العامة وإحساسنا المشترك جميعاً بمعاناة الصيام”. 

هناك أيضاً من يفتقد في رمضان عائلته البعيدة عنه، لأن شهر رمضان يحث الذاكرة على استرجاع اللحظات الجميلة مع العائلة. يقول محمد الحمصي: “ما أفتقده في رمضان هو وجود العائلة. هذا الفقد ليس جديداً بالنسبة لي، فعمره تسع سنوات. لكنه في أوروبا هو شعور يتشاركه جميع السوريين،  فأول شيء يبحث عنه الشخص هنا هو العائلة أو الأقارب أو الأصدقاء المقربون جداً، الذين قد يحلون محل العائلة في الطقوس الرمضانية. أفتقد تلك الأحاديث التي تدور بيننا في رمضان، لذلك فإن أحاديثنا اليوم تتمحور حول الذكريات ومقارنة السعادة بين رمضان القديم ورمضان هذا العام”.

لا يوجد شيء لا تستطيع الحصول عليه. فجميع البضائع متوفرة لدى المحلات العربية، حتى مشروب العرق سوس، لكن ما تفقده هو الطقوس اليومية، بما في ذلك زحمة السير قبل الإفطار

ويرى آخرون أن لرمضان ميزات في أوروبا، كما هو الحال مع الصحافي نورس يكن، الذي يقول: “من ميزات شهر رمضان في فرنسا تحديداً، وفي أوروبا بشكل عام، هو اختلاط الثقافات العديدة، بسبب وجود جاليات مسلمة تشمل عدة جنسيات وأعراق، من غالبية بلدان العالم العربي ومن دول إفريقية وآسيوية. وبفضل هذا التنوع نستطيع أن تتعرف على ثقافات وطقوس مختلفة وأن نتناول الأطباق الرمضانية المتنوعة التي يشتهر بها كل بلد”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.