حكايات وأحداث

توقيف صحافي بقانون الإرهاب… تنديد ومخاوف من عودة ترهيب الصحافيين


 هاجر عبيدي
/موقع رصيف

https://raseef22.net/article/1086970-

يتواصل توقيف الصحافي التونسي خليفة قاسمي، وهو مراسل في الإذاعة الخاصة “موزاييك”، وذلك على خلفية نشره خبراً يتعلق بالكشف عن خلية إرهابية في محافظة القيروان، وتمسكه بعدم الكشف عن مصادره.

ضرب لحرية الإعلام

إذاعة “موزاييك”، التي ينتمي إليها الصحافي الموقوف، عدّت ما حدث سابقةً خطيرةً وتأتي في إطار استهداف واضح للإذاعة وصحافييها، وضرباً لخطها التحريري خاصةً وأن الخبر نفسه تم تداوله في العديد من المواقع، وفي وسائل إعلام أخرى عبّرت عن دعمها وتضامنها المطلق مع كل الزملاء وأخذت على عاتقتها الدعم القانوني اللازم والدعم المعنوي الضروري.

بدورها، أعربت مجموعة “محامون لحماية الحقوق والحريات”، عن خشيتها من أن يكون الخط التحريري لإذاعة “موزاييك” هو السبب الرئيسي لاستهدافها في إطار السعي إلى السيطرة على الإعلام وترهيب الصحافيين وتكميم الأفواه.

ورأت في بيان لها أن ما تعرّض له صحافيو “موزاييك”، يندرج ضمن سلسلة من الانتهاكات المتعاقبة منذ 25 تموز/ يوليو، على غرار إغلاق مكتب الجزيرة في تونس، ومحاكمة الإعلامي عامر عياد أمام القضاء العسكري، والاعتداء بالعنف الشديد على بعض المراسلين المحليين والأجانب ومتابعة الصحافية شذى بن مبارك.

“ما يحدث خطير جداً ويقع في خانة ترهيب الصحافيين ودفعهم إلى “الرقابة الذاتية” بهدف ضرب حرية الإعلام”. اعتقال صحفي تونسي بموجب قانون الإرهاب

وقد نفذ عدد من الصحافيين وقفةً احتجاجيةً في مدينة الثقافة تضامناً مع الصحافي الموقوف، وأكدت أميرة محمد، نائبة رئيس نقابة الصحافيين التونسيين، أن الصحافي خليفة القاسمي تعرض لتسع ساعات من التحقيق للكشف عن مصادره، لكنه رفض ضرب أخلاقيات المهنة وتعريض مصدره للخطر والكشف عنه خاصةً وأن الخبر صحيح.

وتساءلت أميرة محمد إن كان “الهدف من توقيف خليفة هو ترهيب الصحافيين؟ وهل الهدف من توقيفه هو تبييض ما يحدثه في تونس؟ وهل هو خطر على الدولة ليتم توقيفه؟ هل يصبح الصحافي مهدداً عندما يحمي مصدره ويتم التعامل معه بقانون الإرهاب كأنه إرهابي؟ هل عندما يتمسك بالقانون يصبح معرّضاً للمحاكمات والسجن؟”.

وفي مستجدات الملف، أكدت أميرة محمد، لرصيف22، أنه تم الاستماع إلى صحافية في الإذاعة قامت بتنزيل الخبر على الموقع الإلكتروني فحسب، وإعادة الاستماع إلى رئيس تحرير الإذاعة مع عرضهما يوم الثلاثاء المقبل في حالة تقديم أمام قاضي التحقيق في قطب مكافحة الإرهاب.

وأكدت المتحدثة أنه سيتم تكليف لجنة موسعة من المحامين للدفاع عن الزملاء، وسيتم تنفيذ وقفة احتجاجية والتنديد بمحاكمة الصحافيين خلافاً للمرسوم عدد 115 المنظم للقطاع، والمطالبة بإطلاق سراح خليفة القاسمي وكل الزملاء.

كما أشارت إلى أن النقابة في صدد متابعة الملف وسيتم الإعلان عن جملة من القرارات النقابية عادّةً أن ما يحدث خطير جداً ويقع في خانة ترهيب الصحافيين ودفعهم إلى “الرقابة الذاتية” بهدف ضرب حرية الإعلام.

كما أعربت أميرة محمد عن مخاوفها من محاكمة الصحافيين على معنى المجلة الجزائية وقانون الإرهاب وقانون الطوارئ مبينةً أن ما يحدث انتكاسة جديدة لحرية التعبير في تونس.

وطالبت المتحدثة السلطات المعنية باحترام القانون قائلةً: “لم يتم سن المرسوم عدد 115 لوضعه في الرفوف واعتماد قوانين أخرى لضرب حرية الإعلام. هذا قرار سياسي ووجب على الدولة إقرار عدم ملاحقة الصحافيين إلا على معنى المرسوم المنظم للقطاع”.

حق قانوني

سمح مساعد وكيل الجمهورية في محكمة تونس 1، يوم الجمعة 18 آذار/ مارس، بالاحتفاظ بالصحافي خليفة القاسمي لمدة خمسة أيام على ذمة التحقيق وفق الفصل 34 من قانون مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال لسنة 2015، والذي ينص في فقرته الخامسة على أنه “يُعدّ مرتكباً لجريمة إرهابية ويعاقب بالسجن من عشرة أعوام إلى عشرين عاماً وبغرامة من خمسين ألف دينار إلى مئة ألف دينار كل من يتعمد (..) إفشاء أو توفير أو نشر معلومات مباشرة أو بواسطة، بأي وسيلة كانت، لفائدة تنظيم أو وفاق إرهابي أو لفائدة أشخاص لهم علاقة بالجرائم الإرهابية المنصوص عليها في هذا القانون بقصد المساعدة على ارتكابها، أو التستر عليها أو الاستفادة منها أو عدم عقاب مرتكبيها”.

كما تم إبقاء رئيس تحرير “إذاعة موزاييك أف أم “، في حالة سراح مع تعهده بالحضور مجدداً للبحث بالإضافة إلى استدعاء صحافية في الإذاعة للتحقيق في الموضوع نفسه.

وقد نشر الصحافي يوم الخميس 17 آذار/ مارس الجاري، تدوينةً على صفحته في فيسبوك أكد فيها تلقيه استدعاءً من قبل الوحدة الوطنية للأبحاث في جرائم الإرهاب في العوينة، للمثول أمامها يوم الجمعة، للاستماع إليه على خلفية شبهة بعد خبر نشره مشيراً إلى أن الاستدعاء محاولة لمعرفة مصادره وهي على حد تعبيره “محاولة فاشلة لأن المصادر محمية بالقانون”، كما أكد أنه سيتحمل المسؤولية الكاملة بمفرده.

يمثل المرسوم عدد 115 لسنة 2011، والمتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر الضامن لحق الصحافيين في حماية مصادرهم وعدم الكشف عنها وينص المرسوم في فصله الحادي عشر على أنه “تكون مصادر الصحافي عند قيامه بمهامه ومصادر كل الأشخاص الذين يساهمون في إعداد المادة الإعلامية محمية، ولا يمكن الاعتداء على سرية هذه المصادر سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة إلا إذا كان ذلك مبرّراً بدافع ملح من دوافع أمن الدولة أو الدفاع الوطني وخاضعاً لرقابة القضاء”.

وتُعدّ “اعتداءً على سرية المصادر، جميع التحريات وأعمال البحث والتفتيش والتنصت على المراسلات أو على الاتصالات التي قد تتولاها السلطة العامة تجاه الصحافي للكشف عن مصادره أو تجاه جميع الأشخاص التي تربطهم به علاقة خاصة”.

مطالب بالإفراج الفوري

أدانت نقابة الصحافيين التونسيين بشدة توقيف الصحافي خليفة القاسمي بموجب قانون مكافحة الإرهاب والغسيل، “في ضرب واضح ومقصود لما يضمنه المرسوم 115 من حماية له”، عادّةً أن إيقاف الصحافي فصل جديد يسجَّل في عهد منظومة حكم ما بعد 25 تموز/ يوليو في ضرب حرية الصحافة في تونس وترهيب الصحافيين.

كما نددت النقابة في بيان لها بملاحقة الصحافيين بقوانين لا علاقة لها بالمهنة، “بهدف محاولة ترهيبهم وإسكات أصواتهم والتحرش بهم في ضرب لجوهر العمل الصحافي”، داعيةً مساعد وكيل الجمهورية إلى مراجعة قراره ومطالبةً بالإفراج الفوري عن خليفة القاسمي والاستناد إلى المرسوم 115 في قضايا الصحافة والنشر فحسب.

وفي بيان مشترك، عبّرت 31 منظمةً وجمعيةً في مقدمتهم نقابة الصحافيين عن تضامنها المطلق مع الصحافي خليفة القاسمي وزملائه معربةً عن خشيتها من أن تكون هذه المتابعة استهدافاً مباشراً لإذاعة “موزاييك”، ولحرية الإعلام في تونس، “في مواصلة للسياسات نفسها التي شاعت طوال الحكومات المتعاقبة والتي تنكرت فيها لأهم شعارات ثورة الحرية والكرامة”، كما دعت “لإطلاق سراحه حالاً وإغلاق هذا الملف الكيدي”.

أدانت نقابة الصحافيين التونسيين بشدة توقيف الصحافي خليفة القاسمي بموجب قانون مكافحة الإرهاب والغسيل، “في ضرب واضح ومقصود لحقوقه”  

كما أكد الموقعون على البيان، تعارض القرار القضائي في الاحتفاظ بالصحافي خليفة القاسمي، مع الالتزامات الدولية للجمهورية التونسية التي صادقت على العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية والذي كرس في مادته 19 الحق في حرية التعبير مشيرين إلى أن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في تعليقها العام رقم 34 لسنة 2011 على واجب الدول تفيد بأنها “تعترف بأن أحد عناصر الحق في حرية التعبير يشمل الامتياز المكفول للصحافيين في عدم الكشف عن مصادر المعلومات، وأن تحترم ذلك”، وإلى أن الفصل 11 من المرسوم عدد 115 المتعلق بحرية الصحافة، يأتي في هذا الإطار.

كما ذكر البيان بأن الصحافي لا يكون مجبراً على كشف مصادره إلا عند توافر ثلاثة شروط متلازمة وهي: “أولاً أن يصدر الإذن من القاضي المختص ويجب أن يكون مكتوباً حتى يتسنى للدفاع تقييم مدى توافر بقية الشروط. وثانياً يجب أن تكون الغاية من كشف المصدر تفادي جرائم من شأنها أن تشكل خطراً جسيماً على السلامة الجسدية في حين أن هذه القضية تتعلق بنشر خبر حول عملية قبض على مجموعة يُشتبه في كونها إرهابيةً من دون أي تفاصيل أخرى، ولم يفلح القضاء في إثبات توافر هذا الشرط. وثالثاً، يجب أن تكون المعلومات المراد كشفها من صنف المعطيات التي لا يمكن الحصول عليها، وهو ما يعني أن على القاضي المختص أن يثبت للدفاع أنه بذل كل ما في وسعه للحصول على المعطيات التي يروم الحصول عليها ولم ينجح في سعيه، إذ إن الصحافي لا ينتمي إلى مساعدي القضاء حتى يقوم بمد القضاة بمصادره خارج الشروط الثلاثة المذكورة آنفاً”.

كما رأت المنظمات أن قرار الاحتفاظ بالصحافي خليفة القاسمي بسبب رفضه الكشف عن مصادره انتهاك لحقه في سرية المصادر الذي يُعدّ جوهر العمل الصحافي، معربةً عن استعدادها لدعم كل التحركات الممكنة دفاعاً عن حرية التعبير والعمل على مواجهة كل من يريد التضييق والالتفاف عليها تحت أي مبررات كانت.

وأشارت إلى أن السنوات الماضية كشفت أنه كلما تمت إحالة صحافيين وفق قانون الإرهاب، فإن ذلك يتم وفق تعليمات سياسية يراد بها تكميم الصحافيين وترهيبهم.

بدورها، استنكرت منظمة “أنا يقظ”، إحالة خليفة القاسمي على التحقيق وفق قانون مكافحة الإرهاب عوض المرسومين 115 و116 المتعلقين بالصحافة، مشددةً على أهمية حماية المبلغين والمصادر الصحافية لدورهم الحيوي في تزويد الصحافيين بمعلومات عن الفساد ومخالفات القوانين وكل ما من شأنه أن يمس الصالح العام.

كما طالبت المنظمة في بيان لها، بالإفراج الفوري عن الصحافي خليفة القاسمي، وإيقاف جميع التبعات العدلية ضده، خاصةً تلك المستندة إلى “المجلة الجزائية” (القانون الجنائي)، وقانون مكافحة الإرهاب.

أثار قرار إيقاف الصحافي خليفة القاسمي على ذمة البحث موجة استياء واسعةً في الوسط الإعلامي والحزبي أيضاً، وقد شدد الحزب الجمهوري على رفضه متابعة الإعلاميين في إطار ممارسة عملهم خارج إطار المرسوم عدد 115 المنظم لقطاع الإعلام مطالباً بناءً على ذلك بإطلاق سراح الصحافي خليفة القاسمي فوراً.

ودعا الحزب القوى الحية أحزاباً ومنظمات إلى اليقظة والتعبئة دفاعاً عن المكتسبات الديمقراطية في وجه أخطار التراجع عنها، معرباً عن قلقه وانشغاله إزاء ملاحقة بعض الإعلاميين بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب.

وأشار الحزب في بيان له، إلى ازدياد المخاوف أمام موجة التضييق على الحريات العامة والفردية وملاحقة المدوّنين وتتبع المدنيين أمام القضاء العسكري ومحاولة وضع اليد على قطاع الإعلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.